أصبح الإدمان يشكل خطرا حقيقيا على المراهقين ليس في السودان فقط بل في كل أنحاء العالم، فإذا عرفنا أن الإدمان من حيث المفهوم"نوعا من التعود الكيميائي والفيزيائي للجسد على عادة تجلب المتعة العقلية والجسدية وتستغرق ممارسها بصورة تجعله غير قادر على التخلص منها وتسبب أعراض انسحابية نفسية أو جسدية (صداع، زهج، توتر...) عند عدم ممارستها سواء كانت هذه العادة ضارة مثل المخدرات أو نافعة مثل الإكثار من تناول أنواع معينة من الطعام". وهكذا، فإن مصطلح الإدمان قد اتسع مجاله في عصرنا الراهن ليشمل مواد وسلوكيات كثيرة جدا بعد أن كان في الماضي مقتصرا على المخدرات والكحوليات والمنشطات.
يمكن أن نتحدث اليوم عن أشكال ووجوه متعددة للإدمان فأبسط الممارسات يمكن أن تتحول إلى سلوك إدماني مثل الطعام، التسوق، الكمبيوتر... وأشارت معظم دراسات علم النفس والاجتماع الحديثة إلى الكثير من أنواع الإدمان وأشكاله. إلا أن إدمان المخدرات والمسكرات و المهدئات والجنس تظل تمثل الخطر الأعظم الذي يواجه المراهقين ويهدد استقرارهم النفسي والعقلي والعائلي والاجتماعي والصحي ومستقبلهم العلمي والعملي. وما يزيد الأمر تعقيدا أن العالم ينتج كل يوم العديد من الالآت والأدوات والمنتجات الغذائية والطبية والكيميائية لتسهيل سبل الحياة الإنسان ولعلاج العديد من الأمراض المستعصية. وسرعان ما تتحول هذه المنتجات إلى مادة للإدمان لدى المراهقين خاصة في دول العالم المستهلكة ، وأصبحت الأدوية المهدئة والمخدرة والانترنت وألعاب الموبايل تشكل أحدث صيحات الإدمان عند المراهقين حاليا
إن الفراغ الذي يعانيه مراهقو السودان والدول العربية بصورة خاصة ومراهقو العالم عامة يشكل أحد أكبر نوافذ المراهقين للدخول إلى عالم الإدمان، حيث يلجأ المراهقون لملء أوقات فراغهم في نوادي الانترنت بتصفح المواقع الخليعة والإباحية ومشاهدة الفيديو كليب لأنهم لا يجدون البرامج المناسبة المعدة لامتصاص طاقتهم وتملأ الفراغ الزمني والبرامجي والروحي لديهم، سواء من قبل الأسرة أو من الدولة.
لقد تحول العالم بالنسبة إلى المراهقات والمراهقين في الوقت إلى شاشة صغيرة عبر جهاز كمبيوتر أو جهاز هاتف محمول أو تلفزيون، حيث يقضي المراهقون أكثر من ثلث وقتهم في مشاهدة الأفلام والفيديو كليب أو في تبادل الرسائل والنغمات عبر الموبايل أو في ممارسة الدردشة من خلال الانترنت لساعات طويلة وفي مواضيع غير مفيدة.
وإلى جانب الفراغ يلعب الوضع الاقتصادي المتدني للأسرة دورا إضافيا في تشجيع المراهقين على الإدمان. وبالنسبة إلى الأسر السودانية على وجه الخصوص، يهيئ غياب الأبوين عن المنزل لفترات طويلة بسبب العمل لكسب العيش أو الهجرة إلى خارج البلاد لزيادة دخل الأسرة الجو للمراهقين لممارسة عادات ضارة بهم مثل التدخين وتعاطي المهدئات وقضاء معظم الوقت في مشاهدة الأفلام الإباحية وغيرها من الممارسة التي تبدأ بغرض التعرف على ذلك العالم أو لمجاملة الأصدقاء ثم تستمر تدريجيا حتي تصبح عادة يصعب التخلص منها لتتحول بمرور الوقت وكثرة التكرار إلى نوعا من الإدمان المستعصي الذي تصعب معالجته. أضف إلى ذلك أن معظم الأسر غالبا ما تكتشف إدمان أبناءها المراهقين مـتأخرا جدا نظرا لغياب الرقابة الأسرية اليومية لتردد أبنائهم على مثل هذه الممارسات والمعايشة اللصيقة لهم ومتابعة تصرفاتهم.
ومن الظواهر الأخرى التي تم ملاحظتها في السودان أن المراهقين السودانيين المشردين من الجنسيين غالبا ما يتحولون إلى مدمنين على شم المواد الطيارة مثل السرسيون و البنزين والسبرتو بالإضافة إلى الإدمان على القمار والجنس وذلك في ظل غياب البرامج التي تستوعب طاقاتهم مثل الدراسة أو العمل أو الرياضة وتسد وقت فراغهم العريض.
ونلاحظ أن الكثير من المراهقين بالسودان دخلوا إلى عالم الإدمان على المخدرات والمنشطات والكحول عبر اعتقادهم بأنها تعطيهم نوعا من الشجاعة وتجعلهم أكثر قدرة على مواجهة مشاكلهم خاصة مع الجنس الآخر. إن الخطأ الشائع خاصة لدى المراهقين أن استعمال الحشيش السوداني يجعل الفرد شخصا اجتماعيا ولطيفا وتم استقاء ذلك من خلال النكات التي تروى عن المساطيل وتصويرهم في شكل أناس ظرفاء سريعي البديهة، مما جعل شخصية المسطول (متعاطي الحشيش) في كثر من الأحيان شخصية جاذبة للعديد من المراهقين.
أما بخصوص الآثار الضارة للإدمان على المراهق من الناحية العلقية والجسدية و النفسية، فإن لكل شكل من أشكال الإدمان مخاطر خاصة به، فإدمان الكحول والمخدرات مثلا يؤدي إلى الضرر بالمراهق جسديا وذهنيا، مما يجره إلى الانقطاع شبه التام عن الحياة من دراسة وأسرة وأصدقاء ويؤدي الإدمان على التدخين سواء كان سجائر أو شيشة أو تمباك... إلى أمراض كثيرة مستعصية العلاج. وتفيد الإحصائيات أن العشرات يموتون يوميا بسبب التدخين. كما أن الإدمان على ممارسة الجنس والعادة السرية تؤدي إلى تدهور صحة المراهق النفسية والجسدية وتدمير قدراته الذهنية. ويمكن القول إن النتيجة النهائية للإدمان أيا كان نوعه أو شكله هي تدمير عقل المراهق.
ويصح تسمية نتائج الإدمان بـ"متلازمة الإدمان" لأن الإدمان على الكحوليات أو المخدرات أو أي نوع من أنواع الإدمان غالبا ما يقود المراهق إلى الكذب والسرقة لتوفير متطلبات الإدمان. وقد يسرق أموال وممتلكات الأسرة أو أموال وممتلكات الغير، كما أنه غالبا ما يقوده إلى ممارسة الجنس والإسراف فيه، بما يجعل من المخدرات والمنشطات والجنس والسرقة تشكل متلازمة واحدة، ويكون بذلك المراهق المدمن عرضة للإصابة بأمراض أخرى وأساسا المنقولة جنسيا مثل الايدز، فالمدمنون يستعملون أدوات مشتركة في التعاطي خاصة تلك الأنواع التي تؤخذ عن طريق الحقن.
وأمام هذه المخاطر المحدقة بصحة المراهقين النفسية والعقلية، فإن مؤسسات الدولة والمنظمات الحكومية والطوعية ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في مجال المراهقين مطالبة بالعمل على إعداد وإرساء برامج تثقيفية وتعليمية وفنية وعلمية لامتصاص طاقات المراهقين من الجنسين بصورة طبيعية ومحاربة حالات الفراغ لديهم، إضافة إلى خلق الفضاءات المناسبة لذلك. كما أنه من الضروري توحيد الجهود من أجل تصميم برامج وحملات لمكافحة الإدمان بأشكاله ال مختلفة.
هويدا سليم السودان
|