مفهوم المراهقة في فلسطين... بين الصواب والخطأ !!

 

عندما نتحدث عن المراهقين/ات في فلسطين، فإننا نتحدث عن شريحة من الناس تختلف عنها، في البلدان العربية المجاورة، نظرا لما يحيط بهذه الفئة من ظروف احتلال وضغط اجتماعي لا يرحم. فوسط الكثير من مغريات الحياة في المرحلة التي يعيشونها "أي فترة المراهقة" ما بين لبس وسفر وماكياج...، غابت التطلعات بالتوافق مع من هن بأعمارهن/هم في العالم من حيث التحرر والتشبه بعادات وتقاليد الغرب في اللبس ومجاراة الموضة، وشغلهن/هم الحرص على بناء الوطن .

من هنا جاء هذا التحقيق الذي توجهنا من خلاله إلى المختصين والأكاديميين والآباء والمراهقات والمراهقين أنفسهم لتسليط الضوء على نظرة المجتمع للمراهق وكيفية تعامله معه...

 

 

نظرة المجتمع الفلسطيني لمفهوم المراهقة

"في المجتمع الفلسطيني وكغيره من المجتمعات الأخرى نعمد إلى إسدال الستار على مشاكلنا، أو ما يعرف "بالغسيل الوسخ"، سواء أكانت أسرية أو شخصية، يضاف إلى ذلك الخوف من تناولها للاعتقاد بأن الخوض فيها سيسبب ضررا للفرد والأسرة على حد سواء، هذا ما أكده الدكتور ماهر أبوزنط رئيس  قسم علم الاجتماع في جامعة النجاح الوطنية في فلسطين. وهو يعتقد أن رفض المجتمع للمراهق وعدم تقبله ناتج عن عدم تفهم الأهل له من ناحية، وانتقاداته الذاتية التي تضعف شخصيته من ناحية أخرى. وعلى هذا الأساس يؤكد الدكتور أبوزنط اأأنهأنخأأ أنه ينبغي على الأسرة والمجتمع تعزيز شخصية المراهق/ة بفتح المجال أمامه للتعبير عما يجول في خبايا نفسه/ا والعمل على توجيه/ا والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يسبب له ضغطا أو كبتا. كما يعتبر أنه قد آن الأوان لاستخدام أساليب وتقنيات جديدة تكون أقرب إلى أفكار المراهقات والمراهقين واهتماماتهم وتنسجم مع السياق المجتمعي الحالي.

 

العمل الأهلي والجمعياتي لا يستقطب الأهل

لاحظنا خلال جولاتنا اليومية، عزوفا من قبل الأهل عن حضور الندوات والمحاضرات وورش العمل الخاصة بالمراهقين لاعتقادهم أن الدور الذي تقوم به المدرسة والمؤسسات التعليمية الأخرى... كاف لتثقيف المراهقين/ات، وتعبئتهم فكريا، مبتعدين عن المواضيع الصحية والنفسية التي يعتبر البيت موطنها الأصلي والحقيقي، ومن ضمنها نوعية غذاء المراهق ووزنه. وصحته النفسية.

 

ويظهر جليا عدم فهم لمرحلة المراهقة من قبل الأم والأب، إذ غالبا ما يعتبران أن النمو الجسدي يعني اكتمالا لشخصية ابنهما أو ابنتهما، غير أن المراهق في هذه الفترة بالذات يصبح في حاجة أكثر إلى الدعم النفسي والاجتماعي. حول هذه المسألة تحدث المراهق (ع ف) "في مرحلة المراهقة يبدأ الفرد في البحث عن سبب التغيرات التي عرفها جسمه، لكنه يخاف التوجه إلى والديه لسؤالهما فيلجأ إلى مصادر معرفة بديلة. وعلى هذا الأساس تؤكد الدكتورة علياء ألعسالي المحاضرة في جامعة النجاح الوطنية في قسم التربية النفسية "أنه على الوالدين توضيح الكثير من التساؤلات التي تتبادر إلى أذهان المراهقات والمراهقين، وتقبل ردود أفعالهم التي قد تكون عدوانية في بعض الأحيان. وتتابع الدكتورة ألعسالي "بالصراحة والحوار المتبادل يصبح الأولياء أصدقاء لأبنائهم المراهقات والمراهقين ويمكن بهذه الطريقة تفادي مشاكل كثيرة قد يتعرض لها الأبناء المراهقون".

 

وتؤكد الدكتورة ألعسالي في بخصوص علاقة الأب بالابن المراهق تحديدا "إن علاقة الأب بأبنائه الذكور يجب أن تقوم على كسر الحواجز، خاصة النفسية لأنه يمثل المصدر الآمن للمعلومات التي قد يطلبها المراهق إجابة عن استفسارات قد لا يكون للأصدقاء وزملاء الدراسة إجابات دقيقة عنها.

 

الصحة الإنجابية والجنسية أولا

يعتبر السيد رائد سنا قرة، مرشد اجتماعي وتربوي، "أن أكثر المسائل التي يستفسر بشأنها المراهقون ويخجلون الحديث فيها مع أبائهم هي تلك المتعلقة بالثقافة الجنسية والصحة الإنجابية". وهو يعتقد أن الآباء بدورهم لا يملكون أدوات مناسبة وطرق جيدة تلبي حاجات المراهقات والمراهقين للمعلومات والإجابات الضافية وتأمين ثقافة سليمة لأبنائهم حول هذه المسائل، مما يفسر لجوء المراهقات والمراهقين إلى الأقراص المدمجة والأفلام والمجلات الإباحية التي يتبادلونها مع أقرانهم، إضافة إلى المواقع الإباحية على الانترنيت.

ويذهب السيد رائد إلى أكثر من ذلك ليقول إن "الآباء يجهلون أصلا تعامل أبنائهم المراهقين مع الوسائل الإباحية". ومع أنه يؤكد على أهمية دور الوالدين، إلا أنه يشدد أيضا على دور مؤسسات مهتمة وإطارات معنية بتثقيف المراهقات والمراهقين وتوعيتهم حول مسائل الجنسية والمتعلقة بالصحة الإنجابية. ويرى السيد رائد كذلك أنه من المهم التعامل مع مثل هذه القضايا بحكمة وليس بأسلوب عدائي أو عقابي. والأفضل هو العمل على خلق ثقافة لدى المراهق تجنبهم مخاطر وأضرار وسائل غير آمنة في توضيح المسائل الجنسية أو غيرها.

 

"آخر من أودعهم سري هما أبي وأمي"

" آخر من أفكر في إيداعهم سري هما أبي وأمي" هذا ما أكدته رولا هيثم (17عاما)، وتفسر ذلك بالخوف الذي نشأ معها منذ الصغر من العقاب. "منذ صغري وأنا أسمع كلمات الزجر والنهي والتهديد... فهذا عيب، وذاك ممنوع، وذلك لا يجوز... فتأصل الخوف في نفسي منذ الطفولة وأصبحت أخشى من أن ما أفعله إن أنا صارحت به والدي سيسبب لهما الحرج وقد يعاقباني... فاضطر إلى إخفائه عنهما وأفتح قلبي لصديقاتي".

ويبدو أن الشاب ماهر الطويل (18 عاما ) كان ينتظر منذ فترة من يسأله، لماذا لا يبوح الأبناء للآباء بأسرارهم ؟ فبكل مشاعر الغضب والحنق وبكلام أقرب إلى الصراخ قال "وأين هم الآباء أصلا ؟! همهم الوحيد هو توفير الأكل والشراب والملبس والاحتياجات التي يرونها أساسية لحياتنا. أما حاجاتنا النفسية فهي آخر ما يفكرون فيه. ولا يزعجون أنفسهم بالحوار والتحاور معنا وإيجاد الوقت لذلك... فأنا لا أبوح بأسراري لأمي وأبي لأنني لا أجدهم في اللحظة التي أريدها وأكون في حاجة إليهم. ويوافقه الرأي صديقه خالد الأمين (19 عاما)، إذ يقول "الآباء لا يحاولون فتح باب الحوار معنا قصد التفاهم وزيادة مساحة الصراحة بيننا وبينهم فكانت النتيجة أن نهرب بأسرارنا إلى غيرهم دون أن نجد من يرشدنا إلى الطريق الصحيح".

 

وللآباء آراء مخالفة حول أسباب عدم كشف الأبناء عن أسرارهم لآبائهم. يرى الأب نبيل مسعود بأن الأبناء هم السبب في عدم تعامل الآباء معهم بثقة. فهم كما يعتقد جيل مغلق على نفسه، ومتمرد على واقعه بكل الأشكال يهرب عندما يجد نفسه مضطرا للاعتراف بخطئه لذا ينأى بأسراره بعيدا عن الآباء. أما حنان شناعة فتقول "أنا أم 13 ابننا أحاول أن أحاورهم وأزيد مساحة النقاش والتفاهم معهم، إلا أني كلما اقتربت منهم ابتعدوا عني، ولا أستطيع عندها التحدث معهم في أمور تشغلهم".

 

إن المشاكل الناجمة عن الفهم الخاطئ لمرحلة المراهقة والتغيرات الحاصلة للمراهق(ة) في هذه الفترة، وهي بالتأكيد كثير ومتشعبة أدت بدورها إلى خلق فهم خاطئ من قبل الآباء والأبناء لهذه المرحلة، الأمر الذي أوجد واقعا صعبا وفجوة كبيرة بين الآباء والأبناء. فراح كل طرف منهم يحمل الآخر المسؤولية ويتخذ منه شماعة ليعلق عليها أخطاءه، مما انعكس سلبا على الواقع الأسري والمجتمعي. 

نهاد الطويل