|
على أبواب المدارس الثانوية سجائر وممنوعات في الحقيبة المدرسية!!! "هتلك نفس، اليوم ثمن السيجارة عليك، أريد أن استعير منك الاسطوانة"... كلمات ومصطلحات غريبة تسمع في ساحات المدارس حتى يخيل للمار أمام مؤسسة تعليمية أنه في طريقه إلى مقهى بالخطأ. وكأن التدخين صار مكون من مكونات هوية طالب الثانوية العامة. ولأن الظاهرة أصبحت ملفتة للانتباه يصح التساؤل كيف اقتحم التدخين أسوار المدارس؟ وكيف يتعامل أصحاب القرار في المدارس مع التلاميذ المدخنين ؟... ؟ هذه الأسئلة وغيرها سنحاول الإجابة عنها من خلال هذا التحقيق. اعدل رأسك بسيجارة على قارعة الطريق، وبالقرب من مدرسة ثانوية للبنات، لفتت انتباهنا فرقة من طلبة مدرسة ثانوية للبنين، توزعوا على مفارق تلك الطريق المؤدية للمدرسة ليعترضوا طريق الطالبات. وفي محاولة منهم لإبراز رجولتهم كانوا يدخنون وينفثون الدخان بطرق تلف الانتباه إليهم. وعندما اقتربنا من إحدى هذه المجموعات سرد علينا أحد أبطالها قصته مع التدخين. هو الطالب محي ساهر ( 18عاما ) وقد ظهرت أسنانه صفراء من أثر الإدمان على التدخين رغم أنه في ربيع شبابه قال "تناولت أول سيجارة وأنا في الصف السادس الابتدائي، فقد كنت أعمل في العطلة المدرسية لتوفير تكاليف دراستي ومتطلبات المدرسة الكثيرة... ينفث محي دخان سيجارته بانبساط ويواصل حديثه، "لم أعش طفولتي كباقي الطلبة، فأهلي يعاملونني وكأني رجل اشتد عوده ويجب أن يكد ويتعب. أما باقي الأطفال في سني فهم يقضون الإجازة الصيفية في اللعب والمرح. بسبب ذلك كرهت العمل والبيت وكل شيء وتحولت من طفل بريء إلى عصبي لا يطاق". وأشار علي رئيسي في العمل "خذ سيجارة يتعدل راسك" في وقت كنت أبحث فيه عن وسيلة تخفف عني عصبيتي. وتابع كلامه بصوت خافت "لقد لجأت عندها إلى سرقة أول سيجارة من أحد العمال في الورشة وتناولتها سرا. وفعلا شعرت بنوع من الراحة رغم الآلام التي سببتها تلك السيجارة ". أردت أن أثبت لهم رجولتي أما الطالب (م، ن) من مدرسة الملك طلال الثانوية في مدينة نابلس، فله حكاية أخرى مع الإدمان على التدخين والهروب من المدرسة، رواها بنبرات تعبر عن الندامة والحسرة "كنت طالبا متفوقا في المرحلة الإعدادية يكره التدخين والطلبة المشاكسين والمشاغبين إلى حين انضممت إلى مجموعة من الطلبة الذين طالما كرهت المشي معهم". يتوقف قليلا عن الكلام وكأنما يريد أن يسترجع ما حدث ثم يواصل "لقد حاول هؤلاء التقرب مني بطلب مساعدتهم على حل أسئلة الدروس وشرحها. ومع الأيام تطورت صداقة بيننا، حتى أصبحوا أفضل أصحابي رغم أنني كنت مدركا لعيوبهم. فقد كانوا يعرضون علي تناول السجائر معهم... ولأنني كنت أصر على الرفض كانوا يسخرون مني ويجرحونني بكلماتهم. فقد كانوا يرددون على مسامعي "إنك مازلت طفلا صغيرا لأنك لا تقبل التدخين مثل الكبار... لقد أبوا إلا أن يوقعونني في شباكهم... شاركتهم التدخين لأنني كنت أريد أن أثبت لهم رجولتي..." سلكت مسلك والدي "من شابه أباه فما ظلم "مثل عربي قديم لطالما رددناه. وهو مثل يراد به التشبيه بالآباء في الأخلاق الحميدة والأصيلة، إلا أننا هذه المرة مجبرون على استعماله في غير موضعه. فالطالب عبد الحميد (16عاما) من إحدى المدارس الثانوية دفعه تقليده لأبيه إلى التدخين. ويضيف موضحا "إن التدخين يعطيني شعورا وإحساسا بأنني أصبحت رجلا". يقول عبد الحميد وعيناه تحدقان يمنة ويسرة كأنه ينتظر إحدى الفتيات "عائلتي لعبت دورا مهما في التأثير علي لممارسة هذه العادة السيئة فأبي وإخوتي جميعهم يدخنون أمامي، مما حرك الغيرة في نفسي فقررت أن أكون مثلهم... وهكذا بدأت التدخين". شبكات لترويج الأفلام الخليعة ولا تتوقف الأخطار التي تحيط بالمراهقين في المرحلة الثانوية عند ممارسة عادة التدخين، بل تتعدى ذلك إلى ظواهر أخرى تعد أكثر خطورة، فقد أخبرنا الطالب (ع، ل- 18 عاما) أن أحد زملائه أعطاه قرصا ممغنطا (سي دي) كتب عليه باللغة العبرية. وقد فوجئ بأن هذا القرص يحتوي أفلاما جنسية وتبين أن الطلبة يتبادلون فيما بينهم أفلاما جنسية على الأقراص الليزرية ومجلات مصورة تباع في المدارس. ويتحدث هذا الطالب عن مصدر هذه الأقراص الخليعة فيقول: "لقد تعرفت عليها عن طريق صديق لي عمل والده داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 48 حيث كان يحضر معه عند عودته إلى قلقيلية عددا من هذه الأقراص، فكنت اشتريها منه مقابل مبلغ يسير من المال ". أما الطالب علاء مسعود ، فيقول "سمعت عن هذه الأقراص التي يتداولها بعض الشباب، لكني على قناعة تامة بأنني لن استعملها في حياتي لأنها تفسد أخلاق الشباب الفلسطيني المتعطش للحرية" على حد قوله. وواصل حديثه محللا أسباب انتشار هذه الظاهرة "يلعب العدو الإسرائيلي دورا مهما في التأثير على الشباب الفلسطيني والعمل على إسقاطه في الوحل من خلال هذه الأقراص، ويساعده في ذلك بعض الشباب من ضعاف النفوس". ويضيف بلهجة فيها الكثير من الحماس "إن أعداءنا يستعملون الأساليب كافة ليمارسوا إلى جانب احتلالهم للأرض احتلالا أخلاقيا يسلخون به الشاب الفلسطيني عن قضيته". مجلس الضبط لا يكفي... ولمواجهة مختلف هذه الظواهر السلبية التي ما انفكت تنتشر في صفوف الطلبة، سعت وزارة التربية والتعليم في فلسطين إلى توفير مرشدين اجتماعيين في كل مدرسة لمتابعة مشاكل الطلبة. وتحدث إلينا الأستاذ معين شتوي المرشد الاجتماعي في إحدى مدارس قلقيلية عن دور المرشد الاجتماعي فقال "هو دور وقائي وإنمائي وتوجيهي، نحاول من خلاله حماية الطلاب من الوقوع في المشاكل التربوية. ويذكر الأستاذ الشتوي أن أدوات عدة يتم استغلالها لتحقيق، على غرار دروس التوعية والندوات والنشرات الخاصة، إضافة إلى العمل على تنمية مواهب الطلبة عبر ممارسة المسرح والتنشيط الإذاعي. ويضيف "كما أن للمرشد دور توجيهي علاجي فهو يقوم بدراسة الحالات السلوكية غير السوية لدى الطلبة ويسهر على معالجتها بصورة فردية". واعتبر الأستاذ الشتوي أن أهم المشاكل التي يواجهها المراهقون تتمثل في الاضطرابات في النوم وانخفاض التحصيل العلمي، والغياب المتكرر عن مقاعد الدراسة... ولم ينف انتشار الأقراص الليزرية والمجلات الجنسية الهابطة في المدارس، ولكنه يؤكد أن نسبة قليلة فقط من الطلبة يتبادلون هذه الأشياء فيما بينهم مقارنة بفترة ما قبل الانتفاضة. كما تحدث الأستاذ الشتوي عن هيكل آخر متوفر في المدارس لتوجيه الطلبة وتأطيرهم وحمايتهم وهو مجلس الضبط الذي يتكون من المدير في المدرسة وعدد من المعلمين في المدارس. وتتمثل مهمته في متابعة مشاكل الطلبة التي تتطلب تسليط عقاب ردعي متى دعت الحالة إلى ذلك. وهو يعتبر أن دور مجلس الضبط يبقى محدودا وفي حاجو إلى مؤازرة من جميع المؤسسات والجهات المعنية والمهتمة وأولها الأسرة. وأكد على ضرورة الارتقاء بدور الشباب والمراهقين في فلسطين نظرا للقضايا الهامة التي تنتظر وعيا كبيرا منهم ودعا المؤسسات المهتمة إلى عقد الورش والندوات حول المواضيع التي تشغل الشباب. نهاد الطويل |


